سليمان بن حسان الأندلسي ( ابن جلجل )
89
طبقات الأطباء والحكماء
تواليف عجيبة . وكان من أهل الحفظ والتطلع والدراسة للطب وسائر العلوم . وله تواليف في غير الطب ، كتأليفه التواريخ 3 وتأليفه كتاب الفصول والبلاغات 4 . وكان قد أخذ بنفسه 5 مأخذا عجيبا في سمته وهديه وقعوده 6 . ولم تحفظ عليه بالقيروان زلة قط ، ولا أخلد إلى لذة . وكان يشهد الجنائز والعرائس 7 ولا يأكل فيها ، ولم 8 يركب إلى أحد من رجال إفريقية ، ولا إلى سلطانها 9 ، إلا إلى أبى طالب 10 عم معد 11 ، كان له صديقا قديما ، وكان يركب إليه كل 12 جمعة لا غير . 13 وكان ينهض في كل عام إلى المنستير - رابطة على البحر - فيكون هنالك طول أيام القيظ [ 13 ] ، [ 53 ] ثم ينصرف إلى إفريقية . وكان قد وضع على باب داره سقيفة ، أقعد فيها غلاما له ، يسمى برشيق 14 ، أعد بين يديه جميع المعجونات والأشربة والأدوية ، فإذا رأى القوارير بالغداة ، أمر بالجواز إلى الغلام وأخذ الأدوية منه ، نزاهة بنفسه أن يأخذ من أحد شيئا . حدثني عنه من أثق به قال : كنت عنده غداة 15 في دهليزه وقد غص بالناس . إذ أقبل ابن أخي النعمان القاضي 16 ، وكان حدثا جليلا بإفريقية يستخلفه القاضي إذا منعه مانع عن الحكم ، فلم يجد في الدهليز موضعا يجلس فيه ، إلا مجلس أبى جعفر . فخرج أبو جعفر ، فقام له ابن أخي القاضي على قدم ، فما أقعده ولا أنزله ، وأراه قارورة بماء كانت معه ، لابن عمه ولد 17 النعمان ، واستوفى جوابه عليها وهو واقف ، ثم ركب ونهض وما كدح ذلك في نفسه ، وجعل يتكرر عليه 18 بالماء في كل يوم حتى برأ العليل . قال الذي حدثني : فكنت [ 54 ] عنده ضحوة نهار ، إذ أقبل رسول النعمان القاضي ، بكتاب يشكره فيه على ما تولى من علاج ابنه ، ومعه منديل بكسوة وثلاثمائة مثقال ، فقرأ الكتاب وجاوب 19 شاكرا ، ولم يقبض المال ولا الكسوة . قال الذي حدثني : فقلت له : أبا 20 جعفر ! رزق ساقه اللّه إليك ، تردّه ؟ قال لي : واللّه لا كان لأحد من رجال دولة معد 21 قبلي نعمة . وعاش نيفا وثمانين